دولتان اعتمدتا لقاحين بالفعل.. ماذا يفعل العالم لتصنيع لقاح ضد كورونا؟

كتبت- رنا أسامة وهدى الشيمي:

لا تزال محاولات البحث عن لقاح فعّال مُضاد لفيروس كورونا المُستجد جارية على قدمٍ وساق، من أجل مواجهة فيروس “كوفيد 19” الفتّاك، سريع الانتشار، وشديد العدوى. ويأمل الباحثون والحكومات في تزويد مليارات الأشخاص باللقاح المُنتظر في غضون 18 شهرًا أو أقل، وهو أمر غير مسبوق.

وفق تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية على موقعه الإلكتروني، حذّرت عدة حكومات من عدم إمكانية عودة الحياة اليومية إلى طبيعتها حتى يتمكّن سكان العالم من تكوين الأجسام المضادة لدرء الفيروس. وفي حين تجرى أكثر من تجربة سريرية، فإن تطوير اللقاح سيستغرق على الأغلب عدة سنوات.

بيد أن تطوير لقاح ناجع لا يكفي وحده. تواجه العديد من البلدان أيضًا تحديًا آخر ممثلًا في إنتاج الكميات اللازمة لتحصين كافة مواطنيها، فيما تستعر المنافسة حول من سيحصل على اللقاح أولًا فور أن يصبح جاهزًا.

ما وضع تجارب لقاحات “كوفيد 19″؟

هناك أكثر من 100 لقاح قيد التطوير قبل السريري من قِبل شركات أدوية ومؤسسات أكاديمية وهيئات حكومية وغيرها. وأكثر من 70 لقاحًا منها يخضع للمراقبة والتتبع من قِبل منظمة الصحة العالمية.

وتخضع عشرات اللقاحات المُرشّحة، في أكثر من 12 دولة، بالفعل لتجارب سريرية.

ويجري تطوير أكثر من نصف اللقاحات المُرشّحة من قِبل شركات ومجموعات بحثية في الصين والولايات المتحدة الأمريكية. وفي مارس الماضي، بدأت أول تجربة بشرية في أمريكا بولاية سياتل للقاح طوّرته شركة “مودرنا”، ويخضع الآن لتجارب واسعة النطاق بمشاركة عشرات آلاف المتطوعين. وهناك لقاح أخرى مُرشحة من قِبل شركات أدوية أمريكية عملاقة، بما في ذلك “جونسون آند جونسون” و”ميرك آند كو” و”فايزر”.

وفي الصين، اعتمدت بكين بالفِعل أحد لقاحاتها المُرشّحة، قاصرة استخدامه في الوقت الحالي على العسكريين فقط. كما أقرّت روسيا لقاحًا- يوزّع في البداية على الفئات الأكثر عُرضة للإصابة- وذلك بعد اختباره على أقل من 100 شخص فقط، وسط انتقادات حادة وشكوك من قِبل العلماء حول العالم.

إضافة إلى ذلك، تُطوّر عدة لقاحات مُرشّحة في أستراليا وألمانيا والمملكة المتحدة. وبحسب التقرير، تعمل جامعة “أكسفورد” وشركة “أسترازينيكا” البريطانية السويدية على لقاح قيد التجارب على نطاق واسع بالفعل في البرازيل وجنوب أفريقيا والولايات المتحدة. وفي حين تبعث العديد من هذه اللقاحات المُرشّحة على الأمل، يحذر الخبراء من أنه من السابق لأوانه تحديد أيّهم، إن وجد، سيكون ناجعًا على نطاق واسع.

من اللاعبون الرئيسيون؟

بحسب التقرير، فإن اللقاحات غالبًا ما تكون نِتاج جهود تعاونية عبر قطاعات المجتمع؛ إذ تتعاون شركات الأدوية الخاصة مع وكالات الصحة العامة أو المختبرات الجامعية.

فعلى سبيل المثال، فإن لقاح إيبولا الذي تمت الموافقة عليه مؤخرًا، مُطوّر من شركة “ميرك” للأدوية، واحدة من أكبر الشركات متعددة الجنسيات، وشارك في تطويره كلٍ من وكالات الصحة العامة الأمريكية والكندية، وشركة تكنولوجيا حيوية صغيرة بولاية آيوا، وباحثين من وزارة الدفاع الأمريكية، ومنظمة الصحة العالمية.

وفيما يلي، يرصد التقرير أبرز اللاعبين الرئيسيين في رحلة البحث عن لقاح “كوفيد 19”.

-الحكومات: تلعب وكالات الصحة العامة دورًا جوهريًا في أبحاث اللقاحات من خلال تمويل تطوير لقاح “كوفيد 19”. في الولايات المتحدة، أطلقت إدارة الرئيس دونالد ترامب مشروعًا باسم “عملية السرعة الفائقة”، بهدف تطوير لقاح فعّال وتصنيع جرعات تكفي جميع الأمريكيين البالغ عددهم 300 مليون بحلول 2021.

شارك في هذا الجهد، الذي تعهّد بتقديم مليارات الدولارات لشركات تطوّر لقاحات مُرشّحة واعدة، وكالات أمريكية من وزارة الصحة والخدمات البشرية (إتش إتش إس)- بما في ذلك مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (سي دي سي)، والمعاهد الوطنية الأمريكية للصحة (إن آي إتش)، وإدارة الغذاء والدواء (إف دي إيه)- ووزارة الدفاع.

كما تموّل المفوضية الأوروبية عدة لقاحات مُرشّحة. وفي قمة افتراضية استضافها الاتحاد الأوروبي، تعهّد قادة عالميون، ومنظمات، وبنوك، بدفع 8 مليارات لأبحاث لقاح “كوفيد 19”. وفي الصين، تُشرف الحكومة عن كثب على الجهود المبذولة على أراضيها؛ حيث تشكل الشركات المملوكة للدولة خُمسيّ صناعة اللقاحات في العالم.

– المؤسسات الدولية: تركز منظمة الصحة العالمية وغيرها من المؤسسات متعددة الأطراف، مثل البنك الدولي، على تمويل وتصنيع لقاح ضد “كوفيد 19” للاستخدام العالمي، لا سيّما لضمان توزيعه بشكل عادل بين جميع البلدان.

كما يحتل “التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأدوية”، المعروف اختصارًا بـ(سي إي بي آي)، صدارة الجهود متعددة الأطراف في هذا الشأن. وهو تحالف عالمي موّلته النرويج، والهند، ومؤسسة “بيل وميلندا جيتس”، ومؤسسة “ويلكوم ترست” ومقرها في بريطانيا، والمنتدى الاقتصادي العالمي.

إلى جانب تحالف اللقاحات “جافي”، الممول أيضًا من مؤسسة جيتس، ويركز على تحسين الوصول إلى اللقاح في البلدان منخفضة الدخل. في يونيو، أطلقت منظمة الصحة العالمية، و”جافي”، و”التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأدوية”، مبادرة عالمية باسم “كوفاكس” بهدف توفير أكثر من 18 مليار دولار لشراء مليونيّ جرعة من اللقاح بنهاية 2021.

– المؤسسات البحثية والمنظمات غير الهادفة للربح: تشارك جامعات وكليات عالمية في التجارب السريرية أو قبل السريرية للعديد من لقاحات “كوفيد 19” المُرشّحة. فعلى سبيل المثال، كان فريق بحثي بجامعة “أكسفورد” البريطانية يعمل بالفِعل على لقاحات لمرض غير معروف يُمكن أن يُحدث وباءً، وبعدها، وفي يناير، انخرط الفريق في “كوفيد 19”. كما تُعد مؤسسة جيتس غير الربحية رائدة في تمويل جهود لقاح كورونا.

كيف يعمل اللقاح؟

تقليديًا، فإن اللقاحات جزيئات ميّتة أو ضعيفة من الفيروس- تُعرف باسم المستضدات- وتحفز خلايا الدم البيضاء الدفاعية في الجهاز المناعي لتكوين الأجسام المضادة التي ترتبط بالفيروس وتُحيّده.

وهناك 4 أنواع رئيسية من اللقاحات التقليدية:

تستخدم لقاحات الوحدة الفرعية، وعديد السكاريد، والمؤتلفة، والمتقارنة، البروتينات أو أجزاء أخرى من الفيروس.

وهناك أيضًا عدة أنواع جديدة من اللقاحات التي تستخدم المادة الوراثية للفيروس- “دي إن إيه” أو “آر إن إيه”- لتحفيز الجسم على تكوين أجسام مُضادة. وما زال العلماء يحققون في هذه الأنواع لاستخدامها على نطاق واسع على البشر.

عندما يتم تطعيم معظم السكان ويكونون محصنين ضد مرض معين، وحتى أولئك الذين ليس لديهم مناعة، فإنهم يعتبرون محميين لأن احتمال تفشي المرض ضئيل، وهو ما يُعرف بـ”مناعة القطيع”، الذي طبّقته الولايات المتحدة في أمراض مثل الجُدري والحصبة والنكاف وشلل الأطفال.

وينقسم العلماء حول عدد السكان الذين يجب أن تتكون لديهم أجسام مُضادة ضد “كوفيد 19″، لمنع تفشي موجات جديدة من المرضي، بتقديرات تتراوح بين أقل من النصف إلى أكثر من 80 بالمائة.

كيف يتم تطوير اللقاح؟

يمر تطوير اللقاح وإنتاجه بالعديد من المراحل، بدءًا من البحث الأكاديمي الأوّلي وحتى توزيعه على المستشفيات ومكاتب الأطباء.

والتجارب السريرية تُعد مؤشرات حاسمة على مدى فعالية اللقاح. وعادة ما تُختبر اللقاحات المحتملة، كما هو الحال مع الأدوية الأخرى، على الحيوانات أولًا.

وتنقسم التجارب البشرية إلى 3 مراحل، بما يؤدي إلى زيادة عدد المتطوعين.

إذا بدا أن اللقاح المُرشح غير فعّال أو له آثار جانبية ضارة أو مشابه جدًا للقاحات موجودة، فلن يستمر. غالبًا ما يتم إجراء التجارب “عمياء”، حيث يتم إعطاء اللقاح لبعض المجموعات ويتلقى بعضها علاجًا وهميًا.

وفي حالة نجاح اللقاح في التجارب البشرية، سيتعين على المطورين الحصول على موافقة وكالة تنظيمية وطنية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أو وكالات الأدوية الأوروبية. في الولايات المتحدة، تتجاوز حوالي 10% من الأدوية التي تخضع للتجارب السريرية هذا الجزء من العملية، ولكن في حالة فيروس كورونا المُستجد، فإن إدارة الغذاء والدواء قالت إن اللقاح سيحتاج إلى شفاء أو تخفيف شدة أعراض كوفيد-19 لدى ما لا يقل عن 50% من المرضى الذين يشاركون في التجارب.

علاوة على ذلك، فإن الجهات المسؤولة عن تصنيع اللقاح قد تحتاج إلى طلب التأهيل المُسبق من منظمة الصحة العالمية، وهي عملية لتحديد ضمان الجودة، وتعتمد عليها الدول ذات الدخل المنخفض أو المتوسط عند شراء الأدوية.

وأخيرًا، يجب اعتماد اللقاح من قبل الجهات التنظيمية الوطنية في البلدان الأخرى كي يتم توزيعه في الخارج. بعد الموافقة سيصنع اللقاح للاستخدام على نطاق أوسع.

مع ذلك، قال التقرير إن العالم في حاجة إلى مليارات الجرعات من لقاح كوفيد-19، فيما يُحذر الخبراء من الحاجة المُلحة لمزيد من المصانع لتلبية الطلب العالمي.

كيف يساعد علاج كوفيد-19 في التعامل مع الأزمة؟

قد تساعد عشرات العلاجات، والتي لن تمنع إصابة الأشخاص بكوفيد-19، على تقليل شدة المرض وفترة الإصابة به، ويجري تطويرها أو إعادة إنتاجها للتعامل مع الأزمة الصحية التي لم يشهد العالم مثيل لها.

ومن بين العقاقير الواعدة ريمديسفير المضاد للفيروسات، الذي طورته شركة جلعاد ساينسز ومقرها الولايات المتحدة، ووافقت إدارة الغذاء والدواء على استخدامه في حالات الطوارئ.

ولفت التقرير إلى أن المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية (NIAID) أجرى تجربة على الريمديسفير شملت عشرات المواقع في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا وأظهرت أن استخدامه يساعد على التعافي أسرع من الفيروس

ويشعر بعض خبراء الصحة آخرين بالتفاؤل إزاء استخدام عقار ديكساميثازون/ ستيرويد، بعدما أظهر قدرته على تقليل خطر الوفاة جراء كوفيد-19 الذين يعانون من حالة خطيرة في المملكة المتحدة.

كما وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على استخدام بلازما النقاهة أو بلازما الدم للمصابين السابقين الذين تعافوا من الفيروس وانتجت أجسامهم أجسامًا مُضادة لكوفيد-19 في حالات الطوارئ.

وشجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استخدام عقار آخر هيدروكسي كلوروكين، الذي يُستخدم عادة لعلاج الملاريا وأمراض المناعة الذاتية مثل التهاب المفاصل.

قال ترامب، في مايو الماضي، إنه سيتناول هيدروكسي كلوروكوين ليقي نفسه من الإصابة بكوفيد-19، رغم تحذيرات خبراء الصحة والعلماء من أنه لم يثبت فعاليته كعلاج ناجع للفيروس، كما أنه قد يؤدي إلى ظهور آثار جانبية ضارة.

هل يمكن تسريع عملية تطوير اللقاح؟

قال عدد من خبراء الصحة إن الجدول الزمني الذي وضعه المسؤولين في الولايات المتحدة لتطوير اللقاح، والذي يقول إن عملية تطوير اللقاح تحتاج إلى فترة تتراوح ما بين 12 إلى 18 شهرًا غير واقعي وبه الكثير من التفاؤل.

يتطلب تطوير اللقاح في الظروف العادية وبالنظر إلى المراحل التي يمر بها العقار من أجل استخدامه بين العوام فترة تتراوح ما بين 8 إلى 15 عامًا للانتقال من الاختبارات إلى أيدي العاملين في الرعاية الصحية. ولفت التقرير إلى أن أسرع عملية تطوير لقاح استغرقت خمسة أعوام.

إلا أن الوضع مختلف الآن مع انتشار وباء عالمي، قال توماس جيه بوليكي، الخبير في مجلس العلاقات الخارجية، إن الباحثين في جميع أنحاء العالم يعملون على تسريع عملية إنتاج لقاح ضد كوفيد-19 من خلال البحث عن تقنيات جديدة.

وأضاف: “الجهد العالمي الهائل الذي يقوم به العلماء الآن قد يساعد على تصنيع لقاح في وقت أسرع”.

مع ذلك تبقى الصعوبة في تسريع التجارب السريرية خاصة وأن الأجسام المضادة تحتاج وقتًا كي تتطور داخل الجسم، لذا يعتمد الباحثون والعلماء الآن على ما يُطلق عليه “تجارب التحدي البشري” وهي إحدى الطرق لاختصار الوقت من خلال صناعة سلالة من الفيروس لإصابة متطوعين أصحاء، ولكنها تُثير الكثير من الجدل من الناحية الأخلاقية.

هل يُنهي اللقاح الفعال أزمة كورونا؟

يُشدد قادة وزعماء العالم على أن الأزمة لن تنتهي إلا بإنتاج لقاح فعّال. مع ذلك يُشير التقرير إلى أن الموافقة على اللقاح لن تُغلق هذا الباب للآبد، لاسيما مع وجود العديد من العقبات على رأسها إنتاج كمية كافية تُلبي احتياجات سكان العالم.

وفقًا للتقرير، فإن هناك حاجة لتصنيع ما يقدّر بمليار جرعة فقط لتطعيم العاملين في مجال الرعاية الصحية والصناعات الأساسية الأخرى حول العالم.

حفزت هذه المهمة الدول على الاستعداد لإنتاج اللقاح على نطاق واسع، وفي الوقت نفسه خلقت نوع من التنافسية وسط مخاوف من محدودية إمدادات اللقاح. بينما تملك البرازيل، الصين والهند قدرة هائلة على إنتاج اللقاحات، إلا أن تعداد سكانهم المرتفع قد يدفعهم إلى الاحتفاظ باللقاح من أجل شعوبهم قبل تصديره إلى الخارج.

ولضمان الحصول على اللقاح فور تصنيعه، تسعى بعض الدول إلى إبرام اتفاقيات احتكار مع مُصنعي اللقاحات لتجنب النقص المحلي، وفقًا للتقرير فإن البرازيل والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي أبرمت صفقات مع استرازينيكا للحصول على ملايين الجرعات من لقاح جامعة أكسفورد.

وفي الوقت نفسه، حذر عدد من الخبراء من احتمالية حدوث توزيع غير عادل للقاح، ما يُهدد حياة كثيرين.

يتضمن ذلك مدى فعالية اللقاح ضد تحول الفيروس، رغم أن الباحثين قد أشاروا إلى أن الطفرات لا تعني بالضرورة ظهور سلالات جديدة من الفيروس أو حدوث تغيرات في العدوى أو الطريقة التي يتسبب بها في الوفاة. وأكد التقرير أن الكشف عن تفاصيل كتلك قد يساعد على تطوير لقاح ناجع ضد كورونا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل مع فريق المدونة

للنشر

3 + 3 =